أطلقت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نداء عاجلا للحكومة من أجل مراجعة أوضاع المنظومة التربوية، دعت الحكومة إلى تدخل عاجل لاتخاذ الإجراءات الفعلية المطلوبة لتصحيح مسار الإصلاحات التربوية، ومنع القرارات الخاطئة المتسرعة تجنبا لما قد ينتج من عواقب ضارة لا تخدم مجتمعنا لا في حاضره ولا مستقبله، مؤكدة أن معالجة مشكلة التفتح على اللغات تتطلب تحديد خطة واضحة تُراعى من خلالها أنواع اللغات التي تفيد البلاد، وأسلوب التعامل مع كل لغة."
وقالت الجمعية في ندائها إن "الأوضاع المتدهورة التي وصلت إليها مستويات التعليم في الجزائر، لم تعد تخفى على أحد، بل يكاد يُجمع المختصون والمهتمون بالشأن التربوي وعامة المواطنين أن المدرسة الجزائرية في جميع مراحلها لم تعد تؤدي الدور المنوط بها، وأصبح مستوى التعليم بها متدنيا إلى درجة جعل النظام التعليمي لا يحقق أهدافه، وأصبحت الشهادات العلمية مجرد وثائق لا تعبر عن درجات معرفية، ومستويات فكرية، قادرة على تحقيق الإقلاع التنموي."
وجاء في النداء "ما نلحظه اليوم من ضبابية في الرؤية والتسيير، وما نستشفه من توجيهات مبهمة في الاستشراف والتخطيط، يكشف لنا عن حالة من الاستمرارية للسياسات التربوية التي أنتجت هذا الوضع البائس، وأبرز صور الضبابية التي تحيط بواقع المدرسة ومستقبلها هي انعدام الشفافية في تسيير ملف الإصلاحات، وترك الأمر للتسريبات والتكهنات مما فتح الباب للإشاعات، وأحدث قلقا في مختلف شرائح المجتمع وحيرة".
وأكد النداء في حول المناهج والبرامج "إن ما تعيشه الجزائر من انفراد فئة ذات خلفية إيديولوجية غريبة عن الخلفية الحضارية للشعب الجزائري أمر يتعين وطنيا وحضاريا العمل على تغييره، ومنع استمراره في الوضع الذي وصل إليه، فأزمة التعليم في الجزائر استحكمت، والرداءة التي وصل إليها التعليم تجعل من إصلاحه ومراجعة أوضاعه مسألة بالغة التعقيد لخطورة مخرجاته على البلاد والعباد، لهذا فهو بحاجة إلى تكاتف جهود المخلصين من المختصين لوضع مشروع جامع تتبناه الدولة، ويشرف على إنجازه ومتابعة تنفيذه مجلس أعلى للتربية والتعليم يكون تابعا للرئاسة يشارك فيه المتخصصون والخبراء والعلماء والمفكرون الجزائريون من داخل الجزائر ومن خارجها، لتجاوز حالة الرداءة وانهيار المستوى. وهذا المشروع لا يهتم بمسألة التعليم العام في مستوى واحد فحسب بل يتناول أيضا كل المستويات التعليمية بما في ذلك التعليم العالي والبحث العلمي، والتكوين المهني، فالأزمة مترابطة ولا يمكن معالجة حلقاتها بمعزل بعضها عن بعض".
واعتبر المصدر ذاته أن "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد بنص الدستور، وعليه يجب أن يُحترم وضعها الدستوري في مجالات التطبيق وفقا لقانون تعميم استعمال اللغة العربية الصادر عام 1991. وإن التاريخ الحديث والقديم لم يشهد نهضة لأمة أو شعب بغير لغته، ومن حاول ذلك من خلال لغة دخيلة فإنه يظل يئن تحت وطأة التخلف ويعاني تبعاته."، مؤكدة " التقدم العلمي الشامل يقتضي في مجتمعنا وجوب العمل على تعميم استعمال اللغة العربية في جميع مراحل التعليم وبجميع أنواعه وفي البحث العلمي، في كل مجالاته، باعتبار أن اللغة العربية يجب أن تظّل لغة العلم والتكنولوجيا والتواصل والإبداع للخروج من التخلف وهذا يقتضي تعريب المواد العلمية والتقنية، في مستوى ما بعد البكالوريا، وجميع المستويات."
وهذا لم يمنع جمعية العلماء المسلمين من التأكيد أن "مسألة التفتح على اللغات الأجنبية أمر ضروري لا غنى عنه. لكن اعتبار اللغة الفرنسية وحدها لغة التفتح على العالم والعلوم والتكنولوجيا هو الانغلاق بعينه والتبعية، ولهذا فإنه لا يحق للمسؤولين على شأن التربية والتعليم أن يحكموا على أبنائنا بالعزلة العلمية والفكرية، ويجعلوهم مجرد مجترين لما تتفضل به علينا المؤسسات والدوائر الفرنسية من ترجمات لم يعد من الممكن اليوم أن نواكب بها سرعة التطور العلمي والتكنولوجي، وتداول المعلومات. إن اللغات الأجنبية وسائل اتصال ومعرفة، والانجليزية اليوم هي لغة التواصل والنشر العلميين، فتعلمها ضروري للالتحاق بركب العلم والحضارة. ولهذا فإننا نطالب بأن تتحول المنظومة التربوية والتعليمية في الجزائر نحو اعتماد اللغة الانجليزية لغة ثانية بشكل متدرج، وبخطوات مدروسة."
هذا وأشارت جمعية العلماء المسلمين إلى التربية الإسلامية والتاريخ، وقالت بخصوصها إن "التربية الإسلامية التي تعزّز الاستقامة الأخلاقية وتمتّن تماسك البناء الأسري والاجتماعي وتحصنهما من كل أشكال الانحراف والسقوط والاختراق، وترتقي بسلوك الفرد والمجتمع، وتثبت الهوية الوطنية وتحمي عناصرها لهي حصن يجب أن يُحمى ويُدافع عنه، فإذا سقط هذا الحصن سقطت بقية القلاع واحدة تلو أخرى، وتخلخل التماسك الاجتماعي."
تحذيرات لبن غبريط حول الفوضى في المدارس الخاصة
واعتبرت أن "البديل الحقيقي للخروج من أي أزمة حضارية هو الاستثمار في الإنسان، والعلوم، عبر بناء مؤسسات تربوية توفر لأبناء الشعب تعليما وتربية راقيين، بوسائل تستجيب لمتطلبات العصر، وتوفر فرصا متساوية لجميع فئات الشعب، مع توفير المخابر والأدوات والأجهزة المتطورة، والسعي لتحقيق الجودة في التعليم، والاهتمام بالتعليم التقني والإبقاء عليه وتطويره."
هذا فيما دعت الجمعية وزارة التربية إلى التنبيه إلى ما تعيشه المدارس الخاصة من فوضى في التنظيم، وعدم التقيد بالبرنامج الرسمي، ولذلك يجب مراقبتها حتى لا تخرج عما ستكون عليه المنظومة التربوية، وتقييم أعمالها، كي لا تنتهج منهجا يقطع جذور أبنائنا عن ثقافتهم، ويعمل على تخريج فئات مختلفة في الفكر والسلوك عن ما تخرجه المدارس الرسمية.، مشيرة في شأن روضات الأطفال "إن الأمر أخطر لأنّها تعتمد في أنشطتها اللّغة الفرنسية وتعامل الأطفال بها، وما تقدمه من برامج ترفيهية بعيد في مضمونه ولغته عن واقع بيئتنا."
وأكدت جمعية علماء المسلمين في ختام ندائها "أملنا من توجيه هذا النداء أن ينتبه المسؤولون إلى ما يؤدي إليه هذا الوضع التربوي المتدهور الذي يزداد خطورة، ونتمنى أن يتدارك أولو الأمر هذا الوضع باتخاذ الإجراءات الفعلية المطلوبة لتصحيح المسار، ومنع القرارات الخاطئة المتسرعة تجنبا لما قد ينتج من عواقب ضارة لا تخدم مجتمعنا لا في حاضره ولا مستقبله".
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق